السيد محمد تقي المدرسي

80

البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)

ولكن حينما يذكرنا ربنا سبحانه وتعالى بنفسه ، فإننا نلمس أن الأمر قد اختلف كلياً ، وأننا أمام ذكرى جديدة وعلم متفاوت ، وأمام معرفة من نوع آخر . . يهتز له الوجدان والعقل ، ذلك لأن عقول الناس قد يستحيل عليها الرقي إلى مستوى معرفة الرب عزّ وجلّ ، في قبالة تمكنها من استيعاب حقائق ما يحتاجه الإنسان من المخلوقات والموجودات الأخرى . وفي عالم معرفة الرب يجد الإنسان نفسه بحاجة إلى قفزات واسعة من التطور ، وإلى ارتفاع هائل ليصل إلى مستوى رفيع جداً حتى يستوعب حقائق أسماء الله الحسنى ومعرفة الرب عن طريقها . إن من طبيعة فكر الإنسان أنه محاط كله بعالم المخلوقات ، وإذا أراد الارتفاع إلى مستوى معرفة الخالق كان بحاجة إلى نقلة نوعية ، وإلى نمط جديد من التفكير . ولقد كانت مشكلة الناس جميعاً أنهم حينما أرادوا معرفة الله سبحانه وتعالى قاسوا معرفة الله بمعرفة مخلوقاته ، وظن الواحد منهم أنه كما يستطيع حل مسألة رياضية أو فيزيائية أو يتعرف على منطقة جغرافية أو جسم محدود أو يطلع على علم تاريخي معلوم ، كذلك سيستطيع - بوسائله البدائية - أن يصل إلى معرفة الله عزّ وجلّ . كلا ؛ " من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس " « 1 » كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وإن ربنا سبحانه لا يقاس بشيء من الأشياء . فلا يقاس الخالق بمخلوق ؛ فالخالق صمد ، والمخلوق حادث ، والخالق حي لا يزال ، بينما المخلوق ميت بذاته . وعليه فإن الدرس الأول الذي يجب أن نتعلمه ونتقنه في حياتنا وهو الأعظم والأهم من بين جميع الدروس ، هو معرفة الله سبحانه وتعالى ، لأن مقدار المعرفة

--> ( 1 ) - قرب الإسناد ، عبد الله بن جعفر الحميري ، ص 11 .